السيد كمال الحيدري
301
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
واتّباعهم فيما جاءوهم به ، كان منهم أئمّة يهدون إلى الحقّ بأمر الله ، ويدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ثم لما بدّلوا وحرَّفوا وأوَّلوا سُلِبوا ذلك المقام وصارت قلوبهم قاسية يحرّفون الكلم عن مواضعه ، فلا عملًا صالحاً ، ولا اعتقاداً صحيحاً . ولهذا قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا . قال قتادة وسفيان : لمّا صبروا عن الدنيا . وكذلك قال الحسن بن صالح ، قال سفيان : هكذا كان هؤلاء ، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا ) « 1 » . يدعونهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار إنّما نختم هذا المبحث بعنوان من الحديث النبويّ المتعلّق بعمّار والفئة الباغية من أجل أن يضع القارئ هذا الخطاب النبويّ في سياقه القرآني ، وليكون القرآن الكريم موضّحاً ومبيّناً لأبعاد هذا الخطاب الذي لا ينطق عن الهوى ، فإنَّ العلاقة بين الخطاب النبويّ والخطاب القرآني ليست علاقة من جانب واحد ، وإنّما هي علاقة تكاملية ، فكما أن الخطاب النبوي يوضّح الخطاب القرآني فإن هذا الأخير يؤسِّس للخطاب الثاني ( النبويّ ) . ولو عدنا إلى موضوعنا وهو الخطاب النبويّ بشأن عمّار : ( يدعوهم إلى الجنّة [ وفي لفظ آخر : إلى الله ] ، ويدعونه إلى النار ) فإنّ بوسعنا - وبناءً على تلك المقاربة السريعة التي تحدّثنا فيها عن فريقي الأئمّة - أن نقف على بعد جديد لمعاني هذا الحديث ، لاسيَّما وأن الكلمات السابقة التي نقلناها عن شرَّاح الحديث تُجمع على أنّ دعاء عمّار إنّما كان لسبب الجنّة وسبب طاعة الله وهو : طاعة الإمام الحقّ ، صاحب الشرعية .
--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 6 ، ص 371 .